"السياسة القذرة".. بوتين يواجه السيسي برقعة الشطرنج
في الوقت الذي يبدي فيه الجمهور العربي الاندهاش من سياسة روسيا - خاصة بملف إيران والعراق - التي تبدو في ظاهرها متضاربة ولا تسمح لبعض الدول مثل السعودية وأغلب دول الخليج بتعميق العلاقات معها، تستمر روسيا في إدهاش العرب بمواقفها في قضية سد النهضة الإفريقي.
ودون سرد مقدمات طويلة، فإن السياسة الروسية الحالية التي ينتهجها بوتين، والتي لا تستطيع الاعتماد على الدعم الاقتصادي بسبب الوضع الاقتصادي الروسي الصعب تعتمد على استقطاب النجوم الساقطة بالمحاور الاقليمية ودعمها مقابل الحصول على نفوذ طويل الأمد أو مكاسب نوعية تمكنها من سرعة استعادة وجودها التي قضى عليه الأمريكان بعد انهيار الاتحاد السوفيتي.
وعلى سبيل المثال لا الحصر ولإيضاح الفكرة ببساطة.. في سوريا دعمت موسكو نظام بشار الأسد بكل ما أوتت من قوة مخالفة لكل الاتجاهات الدولية - حتى المعتدلة منها التي رفضت الاقتتال الداخلي بين السوريين وطالبت ببقاء الأسد وفرض انتقال سلمي للسلطة - حتى تكسب موضع قدم طويل الأمد في سوريا مع بقاء أو رحيل الاسد الذي لن تسمح به دون ضمانة حقيقية لوجودها على الأراضي السورية.
ومؤخراً وقع صيد جديد في يد بوتين، وهو أثيوبيا التي تماطل حاليا ضد قوة إقليمية تفوقها بمراحل مثل مصر، وتحاول فرض الوضع القائم على القاهرة و الخرطوم، ولم يضيع بوتين الفرصة وتلقف الغزال الاثيوبي الشارد برحابة صدر.
وفي إيجاز فإن حاجة روسيا للأراضي الأثيوبية ودعمها اللامعلن لإتمام بناء سد النهضة تحت حمايتها بشكل سياسي لا عسكري لم يأتي من فراغ.
فمجرد تدخل روسيا في ملف سد النهضة، ودعمها لأديس أبابا لحين اتمام بناء السد يمّكن موسكو من الاستفادة بتنفيذ قاعدة عسكرية هي الأولى في وسط وشرق افريقيا، وكذلك ممارسة ضغط سياسي مستقبلا على مصر من خلال مفتاح نهر النيل، هذا من الناحية المباشرة.
أما من الناحية غير المباشرة و على النقيض تستطيع موسكو الضغط على السودان للإسراع ببناء القاعدة العسكرية البحرية - وهي مكسب أكبر عسكريا - وكذلك الضغط على مصر في ملفات سياسية أخرى تدعمها القاهرة سراً وعلناً في المنطقة - خاصة في ليبيا وسوريا - وتعرقل تحقيق موسكو مكاسب كبيرة فيها اقليميا.
ورغم المحاولات الروسية للصيد في الماء "القذر"، فإن مساعيها لن تؤثر بشكل كبير على خيارات القاهرة في ملف سد النهضة خاصة أن روسيا لا يمكنها فرض أي جديد على أرض الواقع في حال تبنت القاهرة الخيار العسكري.
كما أن القاهرة تمتلك خيارات أخرى مثل التلويح بالتراجع عن التعاون في ملف المفاعلات النووية والاستثمار في المنطقة الاقتصادية بقناة السويس، وهو ما سيكون ضربة قوية في وجه بوتين، ومصدر سعادة كبير للإدارة الامريكية التي لن تتوانى في اقتناص العروض المصرية بدلاً من روسيا.
لكن.. السياسة لا تأتي بالعواطف ولا تحكمها سوا المصالح، والغالب فيه صاحب الورق الأثقل، ونظرا لتعقد الوقف الدولي حاليا في جميع الملفات فليس الفائز من يكسب أكثر بل من يخسر أقل، وهو ما تحاول روسيا الحفاظ عليه بعدم تبني موقف حاسم أو محايد لأي طرف حتى تكون الفائز في جميع المواقف مستقبلاً.



ليست هناك تعليقات: